الأحد، 23 يوليو 2017

د ن ب و ش ي









 لا أؤمن بالتشاؤم، ولكن أعترف أن " لعنة الإكس " سيطرت علي لسنوات عديدة. والحقيقة أنها مجرد صدف، تصديق العقل الباطن لها هو ما يجعلها تبدو كواقع . المشكلة أن الجو العام في كرة القدم مليء بالطقوس والخرافات والتعويذات والتطيّر، يمكن أن تسيطر فكرة تشاؤمية ما على أي شخص - حتى لو كان يسخر من هذه الأشياء سابقاً.



في الستينيات بدأ " البعض " بالإيمان بلعنة غوتمان، وفي التسعينيات ذهب أوزيبيو بنفسه إلى قبر غوتمان لطلب المغفرة !!
في 2012 العالم كله آمن بلعنة غوتمان، بل أن نادي بنفيكا رسمياً طلب الصفح من المدرب المجري (المتوفى) وبنوا له تمثالاً في لشبونة، ولكن المرحوم لازال غاضباً منهم فقد خسرت بنفيكا بعد ذلك نهائيين أوروبيين.



حتى الأمور السخيفة تظهر أحياناً بشكل مقبول ، إن كان صاحبها يحظى بقبول ومحبة الناس. والعكس صحيح..

فلو أن أحد المدربين العرب الذين لا يعرفون الفرق بين 4-4-2 و 4-3-3 بدأ برش الماء " المقري عليه " في الملعب لسخر منه الجميع . ولكن حين إلتقطت الكاميرات في مونديال 2002 تراباتوني وهو يرش " الماء المقدّس " في الملعب، قالوا: مستر.. قلبك عامر بالإيمان.

الماء المقدّس عند تراباتوني، والسبحة الموجودة دائماً في جيب آنشيلوتي، تبدو كعادات لها طابع ديني ، والأهم أنها من باب التفاؤل (وهناك من يمارسها لطرد الأرواح الشريرة) . لكن لا يمكن أبداً تقبّل ممارسات مثل ارتداء اللاعب لنفس الملابس الداخلية القذرة لموسم كامل، أو عدم الاغتسال والحلاقة طالما النادي مستمر بالفوز!










صاحب الصورة اعلاه ليس سائق حافلة، إنه الرئيس التاريخي لنادي أسكولي " كوستانتينو روتسي "، كان دائماً يرتدي جوارب حمراء أياً كان لون ملابسه! غالياني طقوسه مشابهة، فهو يكتفي بربطة العنق الصفراء للحظ الجيد، ألدو سبينيلي يرى ربطة العنق غير كافية، لذا كان عليه ارتداء معطف شتوي أصفر دائماً ويستبدله بقميص أصفر أو شال أصفر حين لا يكون المناخ مناسباً، عكس المدرب رينزو أوليفيري الذي يعتقد أن مصيبةً ما ستحصل إن لم يرتدي معطف شتوي ثقيل دائماً، حتى في عز الصيف، وفعلاً حصلت مصيبة وتعرض لضربة شمس يوماً ما بسبب هذا التصرف الأحمق.

في ملعب كالياري ستجلس أنت وصديقك، (أو صديقتك، إن لم تكن قبيحاً)، متلاصقين على الكراسي رقم 16 و 18 !! تشيلينو منذ رئاسته للنادي طلب إزالة رقم 17 من كراسي الملعب لأنه يتشائم من هذا الرقم، كما يشاع أنه سبق وأقال اثنين من مدربي كالياري لأنه تشائم منهما.


والأرقام دائماً قصة ، حتى للذين لا يكرسون وقتهم لمثل هذه الأشياء، فكيف بمن يؤمنون بها!
النزاع المعتاد في أرقام القمصان كان دائماً على رقم 9 ، رغم جمالية رقم 10 أكثر إلا أن هذا الرقم هو الذي يختار صاحبه بشكل غريب " وساحر " إن صح التعبير. النزاع الحقيقي بين اللاعبين كان على الرقم 9 ، وبسبب هذا النزاع اصبح الرقم 18 واحد من اهم الأرقام بقمصان اللاعبين (كونه الامتداد الطبيعي للمتنازعين على الرقم 9). ولكن النزاع الذي كان أكثر شراسة بين اللاعبين كان على الأرقام الأخرى، الأرقام التي ليس لها طابع جماهيري تجاري، بل الأرقام التي لديها قصة خاصة مع اللاعب..

كان بإمكان جيجي ريفا اختيار رقم 9 أو 10 ، من سيقول لا للأسطورة ؟ ولكنه يتفائل بالرقم 11 ، ولسوء حظه.. في المرة الوحيدة التي ارتدى فيها رقم 9 كُسِرت قدمه!
القصة مشابهة مع يوهان كرويف والرقم 14 ، بل أسوأ ، لأن النظام وقتها كان يسمح للاعبين باختيار الارقام من 1 إلى 11 ، ولكنه أصرّ على الرقم 14 ، ولأنه كرويف حصل على اعفاء خاص . رومينيغه لديه ولع بالرقم 1 ، ولديه عادات غريبة أخرى بربط الحذاء والأكل قبل المباريات، يقال أن لاعبي البايرن الآخرين اصابتهم العدوى وقلدوه..

يمكن الاستمرار طويلاً بالكتابة عن هذه القصص، ويمكن أن تكتشف أنك أيضاً اعتدت على القيام بشيء أو أكثر قبل ممارسة كرة القدم أو أي رياضة أخرى  (أو التنس، إن كنت امرأة)، لأنه من الصعب إيجاد مادة للكتابة عن الطقوس التي تسببت بكوارث. صعب أن يعترف الجميع بأشياء غبية تسببت بفقدانهم بطولة أو لاعب عظيم . وإن كنت اذكر خبر عن لوتيتو أنه رفض التوقيع مع لاعب برازيلي فقط لأن اسمه " كاكا "، كلنا نعرف ماذا فعل هذا الكاكا حين انتقل للميلان .








حين كان نادي روما يقدّم نتائج ممتازة مع رودي غارسيا تسرّبت مكالمة للوتيتو يقول فيها لدي لورينتس أن روما تعاقدوا مع خمسة سحرة . الخبر كان مثار للسخرية آنذاك ، ولازال كذلك، ولكن هل له مرجعية تاريخية ؟
في الحقيقة نعم ، للأسف أقول نعم . ارتبط السحر لفترة طويلة بكرة القدم حول العالم ، وترتكز هذه الممارسات غالباً في القارة السمراء وفي البرازيل ، وبصورة شاذة نجد بعضها في أوروبا ، مثل بعض القصص عن السحر الأسود في نادي فولهام بإدارة بابا ديوب ، والسنغال في مونديال 2002 ، وحتى نادي نابولي في السبعينيات حيث كان هناك اثنين من السحرة ضمن اعضاء الشرف ( !! )


من كان يشاهد مباريات الكالتشيو ويلحظ قرع الكورفا للطبول يجد أنها مثيرة للاهتمام، خصوصاً أنها لا تبدو ضمن العادة الشبابية الإيطالية . بالواقع أن هذه العادة ليست إيطالية على الإطلاق، الطليان اعجبوا بها بعد مشاهدتها في الملاعب اللاتينية، اللاتينيين أيضاً أخذوها من الجماهير البرازيلية، والقصة بدأت في " باهيا " وامتدت إلى ريو دي جانيرو حيث كانت بعض الفئات من الجماهير يقومون بطقوس شعوذة تنتهي بقرع الطبول الكبيرة تنتهي بجذب المزيد من الناس للمدرجات. الممارسات نفسها وأشنع كانت في غرف ملابس النادي،  ولكن اللاعبين (أو المدربين) الذين ينتقلون لتلك الأندية بعضهم ينجرف مع التيار ، والبعض الآخر يقف كمحايد، إلا أن المتدينين منهم كانوا يتركوا هذه الأندية ثم تكلموا عن تلك الفظائع في مقابلات لاحقة
البرازيل التي ولدت العديد من اللاعبين السحرة بأدائهم الجميل في الملاعب شوّهت الكثير من جمالها بإدخال السحرة الحقيقيين للملاعب وامتلاء غرف الملابس بدماء القرابين والدمى الموخوزة بالدبابيس



الأسطورة نيلس ليدهولم، اكمل مسيرته الأسطورية بنجاح حتى كمدرب، ولكن الغريب أنه استخدم ساحر، ساحر حقيقي، كمستشار له، أو فيما يبدو لي كمدير رياضي !!!
ليدهولم كان معروفاً باكتشافه للاعبين ونظرته التي لا تخيب بنجوم المستقبل، يمكنك الآن قراءة الكثير من المقالات عن فضل هذا المستشار " ماريو ماجّي " بتلك الاكتشافات، بل يمكنك قراءة مقابلات للاعبين سابقين لم يلعبوا بعض المباريات الكبيرة او النهائيات لأن الساحر (عفواً، اقصد المستشار) أشار على ليدهولم بذلك !
من القصص العجيبة أن ماريو ماجّي نصح ليدهولم ألاّ يسدد كونتي وغراتسياني ركلات الترجيح في النهائي الأوروبي ضد ليفربول ، ليدهولم لم يستمع لنصيحته: غراتسياني وكونتي هما من أضاعا اللقب على روما!!
أشياء لا يمكن أن تتوقع أنها تحدث في أوروبا، حتى لو كانت في السبعينيات والثمانينيات، ولكن ماذا عن الألفية الجديدة ؟ الاتحاد الأفريقي يعترف أن السحر يساهم بتعطيل تطوّر كرة القدم في القارة السمراء. أما في أوروبا " المتحضّرة " فصحيفة الصن وحتى التايمز تطرقا للقب الدوري الذي فاز به مانشستر سيتي بعد 44 عاماً، سمير نصري وماريو بالوتيلي استعانا بثمانية سحرة لضمان اللقب !








في زيارته للأصدقاء بمعسكر فيورنتينا الصيفي (1972) أشار هذا الرجل البدين على  شاب صغير كان قد وصل للفيولا للتو وقال " هذا الولد، إذا اطعمتوه المزيد من اللحم سيصبح قوياً مثل كرويف " !!
يبدو أن رئيس فيورنتينا سمع النصيحة وأطعم ذلك الولد خروفاً كل يوم، لأن " الولد " في أول مباراة رسمية له تصدّر مانشيتات الصحف الإيطالية ، ورغم أنه كان يرتدي الرقم 8 آنذاك إلا أنه بالنسبة لنا " رقم 10 الوحيد " : جانكارلو انتونيوني.
في صيف 1982، أي بعد عشرة سنوات من هذه الحادثة، يقود انتونيوني المنتخب الايطالي للفوز بكأس العالم، ومن بين كل فضائل الفوز بهذا اللقب العالمي إلا أن جانكارلو (بشكل غير مباشر) قد قدّم خدمة عظيمة لذلك العجوز البدين...


" روميو انكونيتاني "، متذوق عظيم لكرة القدم، ذهب لإدارة نادي مقاطعات صغير في سيينا ليبدأ حياته المهنية بكرة القدم، سريعاً لفت انتباه إيمبولي وتعاقدوا معه كمدير للفريق. في إيمبولي اخترع انكونيتاني فكرة شباك التذاكر الذي يفتح قبل أيام من المباراة ، وحتى حين انتقل ليصبح مدير نادي براتو اضاف لها فكرة حجز مقطورات كاملة في القطار لنقل الجماهير (مباريات خارج الأرض). ولكن الأفكار العظيمة لا تأتي وحدها، فقد كانت لديه أفكار أخرى تسببت بإيقافه عن العمل الرياضي ثم شطبه نهائياً ، فقد تم اتهامه أولاً بالاحتيال الرياضي، ثم الضربة القاضية: التلاعب بنتائج المباريات، وبسبب هذه الممارسات الاجرامية تم منعه تماماً وللأبد من العمل بالمجال الرياضي.
لا يمكنك التخلّص من رجل مثل انكونيتاني، استمر بالمجال الرياضي كمستشار لرئيس براتو ورؤساء آخرين، بل واشتهركاتب صحفي رياضي في الماتينو (نسخة فيرنزي) اسمه ماركو فيراري، وهو صحفي وهمي، لم يكن سوى الاسم المستعار لصاحبنا روميو انكونيتاني !

في عام 1959 أسس انكونيتاني حجر الأساس لظاهرة وكلاء اللاعبين، فقد أستخرج تصريح تجاري لشركة وساطة رياضية وفتح مكتبه في ليفورنو . تلك الحقبة كانت حقبة نضج اداري بالكالتشيو، وفترة تدفق الكثير من الأموال، لذا كان على روميو أن يعمل بطريقة خلاّقة. استطاع فوراً جذب العملاء، الأندية التوسكانو بالطبع، وأندية من الشمال والجنوب الإيطالي، الجميع كان يريد فتح " ارشيف انكونيتاني ": وظّف انكونيتاني صحفيين وكشافين خاصين له، لديه ارشيف عن 40000 لاعب في ايطاليا وأوروبا واميركا الجنوبية. (وهذه نواة النظام الحالي والسائد في أندية أوروبا والعالم لطريقة عمل المدير الرياضي). 

اطلقت الصحافة على انكونيتاني اسم " مستر 5% " ، يتفاوض نيابة عن الأندية، ينصحهم باللاعبين الجيدين، يبيع لاعبيهم الغير مرغوب بهم، يتعاقد مع مدربين . الرجل الذي عاد من الحرب العالمية الثانية وهو لا يملك ليرة واحدة اشترى عام 78 نادي بيزا ب 300M ليرة إيطالية
انكونيتاني الرئيس الوحيد بتاريخ الأندية الإيطالية الذي لم يكن ثرياً ولا يملك أي نشاط تجاري! كان يحضّر ابنه للدخول بعالم الكالتشيو وسبق وأن ارسله للعمل كإداري في أحد الأندية، حين اشترى نادي بيزا كان ابنه هو الرئيس (بسبب ايقافه مدى الحياة، كما ذكرنا) إلى أن فاز الاتزوري بكأس العالم 82 وحصل انكونيتاني وكل الموقوفين رياضياً على العفو

زامباريني وتشيلينو مجرد تلامذة بالنسبة لانكونيتاني الذي يعتبر سفّاح المدربين الحقيقي في الكالتشيو ، ولكن حقبته تاريخية في بيزا ولازالت العلامة الأبرز في  تاريخ هذا النادي. كان يظهر على القنوات التلفزيونية بحوار مفتوح مع الجماهير، يتواصل معهم دائماً، واظهر في ناديهم قدراته العجيبة باستقطاب اللاعبين الممتازين، كما أنه صاحب سابقة تاريخية حيث سافر 10K مشجع من بيزا لحضور مباراة الميلان في مباراة كانت مفصلية لناديهم، انكونيتاني فتح لهم خمسة قطارات يذهبوا بها لإحتلال السان سيرو وانقاذ ناديهم من الهبوط . أخذ النادي المتهالك المغمور من السيريا C ليتحول إلى نادي قيمته السوقية 27 مليار ليرة . في بداية التسعينيات رأى انكونيتاني أن اللعب يجب أن يكون على كبير ، بدأ بالعمل على تأسيس " بيزورنو " ، دمج ناديي بيزا وليفورنو ، وإنشاء ملعب جديد بسعة 40K متفرج بين المدينتين مع فنادق ومجمعات تجارية وسينما ومدينة ملاهي . ليس بإمكان ليفورنو سوى أن تزور السيريا A من فترة لأخرى، والأمر نفسه ينطبق على بيزا، بل اسوأ . ولكن " بيزورنو " ؟ بإمكانها فعل الكثير . هذا المشروع الهائل مات في مهده بسبب مشجعي بيزا خصوصاً، وحتى مشجعي ليفورنو، حيث الاختلافات الايدلوجية الكبيرة بين الشعبين رغم قربهما من بعض . في مباراة كأس إيطاليا بين الناديين حصل شغب كبير بين الجماهير وكانت هذه الحادثة رسمياً المسمار الأخير في نعش بيزورنو . 
بعدها بسنوات قليلة أفلس نادي بيزا، انكونيتاني كان ينثر الملح في الملعب ليقيه من الهبوط للسيريا B ولكنه لم يقيه من تراكم الديون... ولا حتى الهبوط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق