الهجوم والكرة الشاملة والمتعة و " show " هي ما يميّز أسلوب ساكي عن بقية المدربين الايطاليين العظماء . ولكنني اتسائل دائماً هل بإمكاني اعتبار اريغو ساكي نعمة وهو على مقاعد البدلاء ثم تحوّل إلى نقمة وهو على مقاعد استديوهات القنوات الرياضية ؟
بعد " طفرة الكرة الاسبانية " مؤخراً - برشلونة بالتحديد - ووجود ساكي كمعلّم وناصح واستاذ ومصنّف لجيل المدربين الجدد في الكالتشيو (ويوهان كرويف على الضفة الأخرى) بالإضافة لتدفق الأموال الأجنبية على كرة القدم الأوروبية اصبحت هناك حاجة ملحة لإعادة بعث ميلان ساكي أو تقليد " تيكي تاكا برشلونة " لاستقطاب تلك الأموال . روما كانت لديها تجربة رائعة في الثمانينيات مع ليدهولم " لاماجيكا روما " ولكن الادارة الامريكية لم تكن تعرف سوى التيكي تاكا فقررت نسخ ولصق تجربة برشلونة في التريغوريا !!
بوسكوف وليدهولم وايركسون فازوا بالاسكوديتو ، المعجزة ، في الدوريا وروما ولاتسيو، بالعمل والتواضع والعبقرية وفهم أسرار الكالتشيو ، حتى مورينيو وقبله هيريرا (مدربان فازا بالاسكوديتو دون أن يكون لهما تاريخ سابق في الكرة الايطالية) كانا يتصرفان ويعملان وكأنهما ولدا وعاشا العمر كله في إيطاليا وفي ملاعب الكالتشيو تحديداً. لويس انريكي كان يعتقد أنه هبة الله للانسانية والحديث عن تجربته في إيطاليا مضيعة للوقت لأنه لم يصل حتى لمرحلة السيطرة على غرفة الملابس . بينما رافا بينيتز رجل أكثر اصراراً من مواطنه، ونجح بسرعة بتحويل فريق كان يلعب لعشرة مواسم بثلاثة مدافعين إلى فريق يلعب بأربعة مدافعين ، نجح بتحويل فريق كاتيناتشو إلى فريق هجومي بحت (كل هذا في معسكر صيفي واحد) ، ولكنه فشل بعمل قفزة نوعية بالفريق والنتائج وفشل أكثر بفهم الكرة الايطالية رغم تجربته السابقة مع الإنتر ، بل الأسوأ أنه فشل في نابولي لنفس الاسباب التي تسببت بإنهاء تجربته في الإنتر .
من شح الأموال (أو تدفّقها بشكل مفاجئ) تولد الأفكار المجنونة، " كواترو - دوي - فانتازيا " (4-2- فانتازيا) الخطة التي كانت في مفكرة وخيال ليوناردو، أراد بيرلسكوني تجربتها وتحويلها إلى حقيقة، رغم أن ليو لم يكن مقتنع ولم يرغب أن يكون مدرباً بيوم من الأيام !! لم تتم تجربة هذه " النظرية " في ألبينوليفّي ولا حتى بيريشيا ، بل في الميلان، مع صخب إعلامي مهول، وحين فشلت أراد موراتي تجربتها في الإنتر - وأعتقد لو أنها نجحت لم يكن سيلتفت إليها .
الشهرة كلاعب، وكلاء الأعمال الأقوياء، العلاقات مع رؤساء الأندية والإداريين وحتى رؤساء تحرير الصحف وكتّاب الاعمدة واللاعبين السابقين، كل هذه العوامل كانت تهوّل أسخف الأفكار وتعظّمها وتصوّرها للجماهير كحلم للخروج من هذا المأزق التاريخي الذي تعيشه الكرة الإيطالية. (تم الترويج لمونتيلا كونه حقق عدد نقاط تاريخي لكتانيا فحصل على وظيفة في فيورنتينا. رولاندو ماران كسر أرقام مونتيلا فحصل على وظيفة في كييفو!!)
الكواترو - دوي - فانتازيا ، بالأصل وبالمختصر هي مزيج بين 4-2-1-3 و 4-2-4 مع تحرر وتحرّك أكثر " فانتازية " بين اللاعبين الأربعة في المقدمة ، هذي الخطة التي أقامت الدنيا واقعدتها يستخدمها فينتورا (مدرب تورينو الحالي) منذ ثلاثين سنة واقتبسها من بعده تلميذه انتونيو كونتي في باري واطلانطا وسيينا وبدأ بها في الأشهر الأولى كمدرب لليوفي قبل أن يتحوّل إلى 3-5-1-1 (الطريف أن فينتورا أيضاً تحوّل في تورينو إلى 3-5-1-1) .
في الستينيات تمكن نادي سيلتك من الفوز بذات الأذنين باللعب 4-2-4 وكانت الطريقة الانتحارية الوحيدة آنذاك لإيقاف كاتيناتشو الإنتر. 4-2-4 تعتبر تطوّر لخطة " الدياغونالي " الشهيرة في أميركا الجنوبية بالأربعينيات والخمسينيات (3-4-3) ولكنها مختلفة تقنياً بشكل كبير عن 3-4-3 الحالية المقتبسة من 5-4-1 أو ربما تطوراً للخطة الإيطالية الشهيرة التي فازت بكأسي عالم: 2-3-2-3 (تُسمّى أيضاً: WW ، بينما الدياغونالي الخاصة بالمنتخب البرازيلي وفرق أميركا الجنوبية بالأربعينيات - ريفر بليت تحديداً - فتوصف ب WM)
الحاجة أم الاختراع، ببداية الألفية الجديدة كانت الأندية الإيطالية بين أندية غنية لديها أموال أكثر من اللازم أو أندية على وشك الإنهيار مالياً في أي لحظة، المخضرم كارلو ماتزوني قرر اللعب بخطة 3-5-1-1 مع التوأم المجنون " الأخوين فيليبيني " وصاحب الذيل الإلهي وداريو هوبنر، المحصلة : موسم تاريخي لبريشيا. وهذه الخطة تساهم أيضاً بموسم تاريخي لبيروجيا مع كوزمي، كما نستشهد أيضاً بقصة فرانشيسكو غودولين مع 3-5-1-1 وموسمين تاريخيين متتاليين لأودنيزي. ماتزاري وموسم مذهل مع 3-5-1-1 في نابولي، وربما لم يكن من المتوقع أن تعيد هذه الخطة بالذات الاسكوديتو إلى اليوفي بعد غياب طويل ، وأعادت أيضاً تورينو إلى أوروبا بعد غياب أطول .
لو عدنا بالزمن قليلاً، فلا استطيع تجيير بطولات وانجازات اليوفي في إيطاليا وأوروبا مع مارتشيلو ليبّي فقط ل3-5-2، الرومبو (4-3-1-2) أيضاً كانت لها نصيب من الكعكة. في تلك الفترة - والفترة التي تلتها بالألفية الجديدة - اصبح اللعب بخطتين مختلفتين بالمباراة الواحدة وبنفس اللاعبين أحياناً أكثر كثافة مما كان عليه سابقاً. في كأس العالم 2006 تمكّن ليبّي من دمج الرومبو مع 4-2-3-1 بلاعبين مرنين تكتيكياً (بيروتا وكامورانيزي) ، وهي طريقة استفاد منها كارلو انشيلوتي لاحقاً في تشيلسي، رغم أن آنشي نجح نجاحاً مبهراً بالرومبو مع الميلان. سيطرة الرومبو في تلك الفترة استمرت مع روبيرتو مانشيني الذي أعاد اكتشاف نفسه معها حين تحوّل من 4-4-2 صريحة إلى 4-3-1-2 فارضاً سيطرته على الاسكوديتو لسنوات دون منازع، لدرجة أن مورينيو (في موسمه الأول مع الإنتر) اضطر لتفكيك 4-3-3 التي صنعها بداية الموسم وعاد للعب بالرومبو , كما أن هناك نموذجين " خطيرين " ومثيران للاهتمام بما أن الحديث عن الرومبو : ديليو روسي (لاتسيو، باليرمو) وماسيميليانو أليغري (كالياري، الميلان) حيث تمكنا من الاستفادة من الرومبو بتحويلها بسلاسة إلى 4-3-3 وإلى شجرة الكريسمس (4-3-2-1) وحققا نجاحات كبيرة .
لكن يظل النموذج الأكثر ثورية : لوتشيانو سباليتي 2007 وخطته العبقرية " المولودة من رحم المعاناة " : 4-6-0 والتي كانت نموذج هجومي حديث ، حقيقي ورائع ، للكرة الشاملة والتكتيك الثوري المناسب لبداية مشروع عظيم - ولكن ككل القصص الإيطالية .. يُطعن من الظهر .
مدرب سامبدوريا ، ديليو روسي ، يبدو مرهقاً على شاشة سكاي بعد مباراة بولونيا : " لقد غيروا التكتيك 5 مرات " . إذا عُرف السبب بطل العجب، خصمه ستيفانو بيولي ، ملك التكتيك، وإن كان مصطلح " ملك التكتيك " يطلق على ماريو بيريتا الذي يدرّب منذ عشرين عاماً دون أي نجاح ، بيريتا تُوّج بهذه الملكية الزائفة لأنه لومباردي وصديق خاص لتشيزاري مالديني الذي حرص على إظهار صديقه بكل وسيلة ممكنة كمدرب رائع وثوري .
النماذج والتكتيكات الأساسية لستيفانو بيولي: 4-3-1-2 ، 3-4-3 ، 4-2-3-1 ، 4-3-3 . النكتة الأكبر بمسيرته حين أقيل من منصبه كمدرب لباليرمو قبل أن يبدأ الموسم (زامباريني تفوّق على نفسه هذه المرة) بسبب خروج باليرمو من التصفيات الأولية لليوروليغ . لعب موسم عظيم مع لاتسيو وصل للمركز الثالث بفريق كنت أراه لا يمكن أن يصل لأبعد من مركز مؤهل لليوروليغ، فريق بلا احتياط تقريباً، ولاعبين أساسيين تتفاوت مستوياتهم. أحد أفضل مدربي السيريا A هذا الموسم .
ماوريسيو سارّي ، على عكس ستيفانو بيولي الذي سبق وأن لعب في بارما وفيورنتينا، لم يمارس اللعبة كمحترف، كان موظف بنك (محلل مالي) وترك وظيفته للمغامرة بالتدريب من تحت الصفر: الدرجة الرابعة ، ثم تأهل مع إيمبولي للسيريا A وبخزينة فارغة تقريباً لعب موسماً رائع وتمكن من النجاة من الهبوط مبكراً . سارّي يلعب بنموذج مشابه لديليو روسي وماسيميليانو أليغري، 4-3-1-2 تتحول إلى 4-3-2-1 و 4-3-3 لكنه يمتاز أكثر بالضغط العالي جداً وقرب المساحات بين الخطوط وتماشيها مع بعضها بطريقة كمبيوترية ، هذا التكتيك المذهل منحه وظيفة فاخرة في ناديه المفضّل.. نابولي
(راتب بيولي + راتب سارّي = راتب ستراماتشيوني)
أما التحفة الفنية الكبرى بالنسبة لي هذا الموسم ، على المستوى الأوروبي بالكامل ، هي تكتيكيات ماسيميليانو أليغري . مدرب خسر منصبه السابق لأنه أختير كشماعة لكل مشاكل الميلان، ووافق على تدريب فريق استقال مدربه لأنه خائف من الفشل إن أكمل المسيرة بهذه التشكيلة . لعب بفريق كونتي ، وخطة كونتي ، وظل حتى يناير تقريباً وهو يحاول ترويض الزيبرا . ثم بدأ يحقن الفريق بأفكاره الخاصة تدريجياً وبهدوء . اسكوديتو، كوبا إيتاليا، نهائي التشامبينزليغ . اعتقد أنه إنجاز مستحيل



